عبد الله بن أحمد النسفي

53

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 10 إلى 11 ] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) الشيء وحقيقته ، ثم قيل للقلب والروح النفس ، لأنّ النفس بهما ، وللدم نفس ، لأنّ قوامها بالدّم ، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه ، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم ، والمعنى بمخادعتهم ذواتهم أنّ الخداع لاصق بهم لا يعدوهم « 1 » إلى غيرهم وَما يَشْعُرُونَ أنّ حاصل خداعهم يرجع إليهم ، والشعور علم الشيء ، علم حس من الشّعار ، وهو ثوب يلي الجسد ، ومشاعر الإنسان حواسه لأنّها آلات الشعور ، والمعنى أنّ الحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له . 10 - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك ونفاق ، لأنّ الشكّ تردد بين الأمرين والمنافق متردد . في الحديث : ( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ) « 2 » والمريض متردد بين الحياة والموت ، ولأنّ المرض ضدّ الصحة ، والفساد يقابل الصحة ، فصار المرض اسما لكلّ فساد ، والشك والنفاق فساد في القلب : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أي ضعفا عن الانتصار ، وعجزا عن الاقتدار ، وقيل المراد به خلق النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله ، كما عرف في زيادة الإيمان : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ كوفي . أي بكذبهم في قولهم : آمنا باللّه وباليوم الآخر ، فما مع الفعل بمعنى المصدر ، والكذب : الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه « 3 » ، يكذبون غيرهم أي بتكذيبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم « 4 » فيما جاء به ، وقيل هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل صدّق ، ونظيرهما بان الشيء وبيّن . 11 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يقول آمنّا « 5 » ، لأنّك لو قلت ومن النّاس من إذا قيل لهم : لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ لكان صحيحا ، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به ، وضدّه الصلاح وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة ، والفساد في الأرض هيّج الحروب والفتن ، لأنّ في ذلك فساد ما في الأرض ، وانتفاء الاستقامة عن أحوال النّاس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية ، وكان فساد

--> ( 1 ) في ( أ ) لا يعدّهم . ( 2 ) رواه مسلم من رواية موسى بن عقبة ، عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) به . ( 4 ) لم ترد في ( ظ ) ، وفي ( ز ) عليه السلام . ( 5 ) في ( ز ) معطوف على يكذبون ، ويجوز أن يعطف على يقول آمنا .